التحديثات

شعلة الثلج وثأر الدم… لGhost of Yotei|مراجعة مطوّلة وحصرية في الج1

تعود إلينا مغامرات الظلال والسيوف من جديد، ولكن هذه المرة بوهج مختلف ولغة بصرية أشبه بلوحات تسحر القلب قبل العين. فبعد نجاح الجزء الأول، يتحرك بنا استوديو المطوّر نحو وجهة أكثر قسوة وجمالًا، عند قمة جبل لا يرحم، ليقدّم قصة ثأرٍ تقودها امرأة تحمل في داخلها عاصفة انتقامٍ لا تقل حدة عن عواصف الثلج التي تلفّ عالم اللعبة.

من ظلّ الساموراي إلى عاصفة المحاربة

 أفضل لعبة Ghost of Yotei

عند الجبل المقدّس Mount Yotei، نتعرّف على بطلة جديدة، تدعى آتسو، والتي تبدأ رحلتها بجرحٍ عميقٍ لم تلتئم أطرافه بعد… عائلة قُتلت، وذكريات تحترق ببطء داخلها كجذوة خفية. وهنا، اختار مطوّر اللعبة أن ينسلخ كليًا عن قصة جين وجزيرة تسوشيما، ليفسح المجال لحكاية أكثر شخصية، أكثر انغلاقًا على ذات البطلة، وأكثر تحرّرًا في كيفية بنائها وتقدّمها.

لمحة عن اللعبة

لم يعد التقدّم مرهونًا بالخطّية التقليدية، ولم يعد ترتيب المهام هو المنارة التي تقودك… بل تحولت اللعبة إلى بوصلة تنتقل تحت وقع خياراتك أنت. يمكنك أن تختار مهمتك الرئيسية التي تناسب تطلّعك منذ البدايات، لتخدم تقدّمك وتطوّرك داخل العالم دون إحساس أنك مُقيَّد بسياق واحد.

التركيز هنا ليس على حدث عام أو حرب عظمى، بل على جرح خاص، وثأرٍ يائس يحمل اسم آتسو وحدها. الهدف واضح: العثور على ستة أشخاص من عشيرة يوتيه، وكل منهم يحمل قصة انتقامٍ فرعية تُسرد بطريقة جذّابة، تغريك أن تأخذ أنفاسك وتستمع، رغم أن أصل رحلة البطلة نفسها قد لا يكون بذات الوهج.

قد تكون قصص هؤلاء الستة ممتعة، وتكتسب عمقًا إنسانيًا تدريجيًا مع معرفتك بخفاياهم، حتى قبل أن ترفع عليهم السيف… أما قصة انتقام آتسو الأساسية نفسها، فهنا تسقط اللعبة في فخّ التنفيذ الأقل جذبًا. ففي الكثير من الأحيان، وجدت نفسي ملاحقًا الثأر دون أن أشعر بنارٍ حقيقةٍ تتأجج في صدري. كان يمكن أن تكون أكثر تأثيرًا، وأكثر انتزاعًا للمشاعر، وأكثر تذكيرًا بهدفك الحقيقي داخل زوبعة الأنشطة التي تغرقك بها الخريطة.

أما شخصية آتسو نفسها فهي… مختلفة. صريحة، حادة، وقادرة على إثارة مشاعر الانزعاج بقدر ما تثير مشاعر الفضول. ليست شخصية هادئة تستند لرزانة الساموراي كما اعتدنا سابقًا، وليست بطلة تُعجب الجميع بطبعها، بل تمشي بصخب داخلي يظهر في حواراتها وتصرفاتها، الأمر الذي يجعل الارتباط بها مسألة ذوق شخصيّ لا أكثر.

رغم ذلك، تُنصف اللعبة نفسها حين تُقدّم قصص الأساطير الجانبية، ومهامها، والتي كانت بحقٍ لحظات السحر الحقيقي داخل السرد. سواء من طريقة الحكي الفني، أو التنفيذ البصري الذي يلاعب مشاعرك وأنت تخوض المهمة، ستشعر هنا أن الجبل يهمس لك بقصصٍ أقدم من الزمن نفسه.

أسلوب اللعب في عالمٌ أكثر حيوية… وأقل وضوحًا

كعادة حصريات الناشر في عالم الألعاب، تنتهج اللعبة نمط العالم المفتوح، ولكنها تتخلى هذه المرة عن الاعتيادية في طرح المهمات على الخريطة عبر رموزٍ مباشرة. فلا علامات استفهامٍ هنا تزعجك، ولا أيقونات تفجّر عشوائية قراراتك.

العالم يدفعك أنت لتبحث عن طريقك بنفسك… عبر مواجهة الأعداء عشوائيًا وجمع المعلومات منهم، أو شراء الخرائط، أو حلّ ألغازٍ بسيطة، أو الاستماع لشائعات تتسلّل عبر الهواء البارد. هذا النموذج يعطيك إحساسًا بالنضج والتماسك، ويجعلك جزءًا من العالم بدل أن تكون مجرد لاعبٍ يتّبع تعليماته.

ومن أمتع هذه الأنشطة مهام صيد الجوائز، والتي تحصل عليها عبر لوحات الإعلانات المتناثرة داخل القرى، ومنها قرى مثل Otari Village. هنا يبرز القتال الحقيقي الممتاز… مطلوبون بأساليب قتالٍ مختلفة، ومستوى تحدٍّ يجعلك تفكّر قبل أن تهجم، وبعض المكافآت التي تستحق كل قطرة عرقٍ تُسقطها على الثلج.

لكن… وبينما العالم أكثر حيوية في البناء، إلا أنه أكثر إزعاجًا في التكرار. فبعد ساعاتٍ من اللعب، ستجد نفسك تُطارد الثعالب مرّة أخرى، وتتسلّق المعابد نفسها، وتكرر زيارة الينابيع… لحظاتٌ جميلة أول مرة، ولكنها تفقد كثيرًا من وهجها في الزيارات التالية.

ولعلّ أكبر العتب يأتي على نظام تطوير شجرة المهارات… فبدل أن تحصل على خبرةٍ تتراكم وتفتح لك مهاراتٍ بانسيابية، تحولت اللعبة لقائمة معسكرات عليك إنهاؤها لكي تحصل على مهارةٍ واحدة فقط لكل معسكر… معسكرات متشابهة، تُقاتل فيها الأعداء ذاتهم، وتنفّذ فيها المهمات ذاتها، فقط لتتقدّم في فرعٍ بسيط من الشجرة. هذه النقلة للأسف كسرت الاندماج، وجعلت التطوير عبئًا بدل أن يكون متعة.

من الكاتانا إلى البارود… نقلةٌ عملاقة في القتال

وضعت اللعب بالسيوف جانبًا هذه المرة، ليستبدلها النظام القتالي بأسلحةٍ مختلفة الاتجاهات… فهنا رمح، وهنا قوس، وهنا سيفٌ مزدوج، وحتى البنادق النارية. لكل سلاحٍ شجرة مهاراتٍ تخصّه، وأنيميشن مستقلّ، وحركاتٌ يمكنك المزج بينها لتخلق أسلوبك الخاص.

ولكن، ستتعطل المتعة أحيانًا حين تُجبَر على التبديل بين الأسلحة لأن بعض الأعداء لا يتأثرون بنوعٍ معيّن منها… وهنا يظهر السؤال: هل هو تنويعٌ أم إجبار؟ شخصيًا أرى أن الأفضل كان تعميق شجرة التطوير بدل أن يتم حصر الأسلحة داخل فئات لا تنفع لكل الظروف.

لكن، لا يمكن إنكار أن القتال هنا تحوَّل لإدمانٍ لذيذ… من المطلوبين إلى المبارزات، ومن التصادم السريع إلى إحساس الاصطدام بقوةٍ معدنية حقيقية، ستشعر أن وقع السيف أقوى من صوت الكلمات التي تسرد القصة نفسها.

المظهر البصري والصوتي في قصيدة ثلجٍ لا تُروى… بل تُعاش

PlayStation Studios دائمًا ما يُبهرنا بالجودة التقنية، ولكن الجمال هذه المرة تجاوز التقنية إلى الفن نفسه. مزيجٌ خلاب بين القرى الصغيرة، والغابات، والجبل الجليدي، والسماء القرمزية عند المغيب، وإضاءةٌ موزونة كأنها همسة رسّامٍ يخبّئ لونه الخاص لكل مشهد. لم تكن رسوماتٍ فقط… بل كانت مشاعر ملوّنة.

أما صوتيًا… فالعالم كان متكاملًا. صوت السيوف في القتال مثل موسيقى صلبة، وصوت الريح مثل راويٍ خفيّ، والذئاب في الاستكشاف مثل جوقٍ طبيعيّ يُضيف رهبةً للمشهد. أما الألبوم الموسيقي فكان عظيمًا، أشبه بنداءٍ يبدأ منذ اللحظة الأولى ليخبرك أنك ستعيش سيمفونيةً لن تُنسى.

أوضاع الأداء هي ثلاث طرقٍ لتختبر فيها الجمال

على PS5 System Software، قدّمت اللعبة ثلاثة أوضاع رئيسية:

وفي وضع الأداء تحديدًا… سحرتني اللعبة بتوازنٍ رائع بين رسوماتٍ جميلة جدًا، وأداءٍ ثابتٍ يصل لـ 60 إطارًا في معظم الأوقات، دون أن تتزعزع التجربة أو يتشتت سحر الصورة.

التعريب عندما تتكلم الأرواح باللغة العربية

في خطوة تستحق الإشادة، قدّمت اللعبة تعريبًا ممتازًا شاملًا، ليس فقط للقوائم والحوارات، بل حتى للنصوص الجانبية، ولقصائد الأغاني داخل ألبوم الموسيقى… وكأن اللغة العربية لم تكن خيارًا متأخرًا، بل جزءًا من الهوية الفنية التي صُمِّمت بها اللعبة أصلًا.

الإيجابيات والسلبيات

✅ الإيجابيات:

  • أسلوب قتال إدمانيّ ممتع
  • نظام عالم مفتوح أكثر نضجًا وتفاعلًا
  • استكشافٌ مُجزٍ ومُثير
  • ألبوم موسيقيّ استثنائيّ
  • مهام صيد الجوائز هي الأفضل بين الأنشطة

❌ السلبيات:

  • التكرار يصبح مملًا لاحقًا
  • قصة أصل الانتقام أقل جذبًا من القصص الفرعية
  • شخصية البطلة ليست محبوبة للجميع
  • نظام تطوير المهارات متذبذب ومنفّر

ربما لم أحب البطلة… لكنني أحببت العالم الذي يقودها.
وربما لم أتعلّق بالانتقام… لكنني لم أستطع ترك الطريق إليه.

لو كان Ghost of Tsushima رواية متكاملة العُقدة… فإن Ghost of Yotei لوحة انتقامٍ رسمتها الريح قبل اليد.

الخلاصه

ورغم أن قصة الثأر الأساسية لآتسو لم تُشعِل داخلي شرارة تعادل جمال البيئة أو قصص الأعداء الستة، إلا أن اللعبة تنجح تدريجيًا في تحويل الانتقام من هدفٍ يُقال إلى طريقٍ يُنتَقَل إليه. قد لا تتعلق بآتسو، قد لا تقتنع بلهيب ثأرها، وقد تتوه أحيانًا بين مطاردة الثعالب وتسلق الأضرحة المتكررة… لكنك وفي النهاية لا تُكمِل لأنك تريد معرفة ماذا سيحدث… بل لأنك لا تستطيع ترك هذا العالم قبل أن تغادره بشروطك أنت.

اللعبة تربحك من صوت سيوفها، من وقع خطواتها على الثلج، من الموسيقى التي تتسلّل في عروقك ببطءٍ مثل البارود قبل الاشتعال، ومن الإحساس أن الجبل Mount Yotei نفسه شخصيةٌ قائمة بذاتها، يروي لك القسوة والجمال في آنٍ واحد، دون حاجةٍ لكلماتٍ كثيرة. القتال تحوّل لإدمانٍ لذيذ بفضل تنويع الأسلحة وشجرة تطويرها الخاصة مع أنيميشن مختلف يمزج بين الصلابة والرشاقة، حتى وإن أزعجني إجبار التبديل بين الأسلحة لمجاراة أنواع الأعداء.

التكرار حاضرٌ لاحقًا، والتطوير قد يُثقِل على الاندماج، والشخصية الرئيسية قد لا تعجب الجميع بطبعها الحاد… ولكن وعلى الرغم من هذه العثرات، تبقى Ghost of Yotei تجربةً فنية أكثر مما هي روائية، لعبة تتحدث إلى الحواس قبل المنطق، وتُحفَر في الذاكرة قبل أن تُفهَم بالكامل. إنها ليست لعبة “أفضل قصة انتقام” بل لعبة “أجمل طريق عبر الثأر”، وهذا فرقٌ صنعته الإضاءة، والموسيقى، ووقع السيف، أكثر مما صنعته الحوارات نفسها.

إذا كنت تبحث عن قصةٍ لا تُنسى ببطلتها… فهذه قد تُخيِّبك بعض الشيء.
أما إن كنت تبحث عن جوٍّ لا يُغادَر بسهولة، وقتالٍ لا يُترَك بسهولة، وعالمٍ يلامس القلب دون كلامٍ كثير… فهذه اللعبة واحدةٌ من تلك الأعمال التي لا تتفوّق لأنها الأفضل في كل شيء، بل لأنها تملك الشيء الذي لا تملكه كثيرٌ من الحصريات… “روح المكان الذي يُحكي بلا صوت ويؤثِّر بلا صراخ.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com

أوقف مانع الاعلان

انت تستخدم مانع الأعلان الرجاء تعطيلها لمواصلة التصفح